«خان مرجان»..
ما أن تطأ قدماك سوق «خان مرجان» في دبي بـ«مركز وافي»، تجد نفسك في رحلة بالزمن تعيدك إلى القرن الـ14 بكل معالمه العمرانية الفريدة، وأجوائه الخاصة، هي رحلة ترسو بك في بغداد التي استلهم المكان تصاميمه من سوق أصلي فيها يحمل الاسم ذاته.
وقال صاحب فكرة «الخان» ومديره العام، ديب بدر: «كنا حذرين جداً وحريصين أن يتضمن المكان أدق تفاصيل سوق (خان مرجان) الأصلي في بغداد»، ولضمان الدقة كان بدر يشرف شخصيا على تصنيع المواد المستخدمة في التصاميم بالقاهرة.
وأضاف: «عملت مع المصمم المصري الدكتور محمود مبروك، وطاقمه من المتحف المصري في القاهرة، الذين اتبعوا كل تفاصيل السوق من الناحية التاريخية، وتأكدنا من أن كل شيء يتماشى مع تصميم السوق الأصلي».

وبدأت أعمال إنشاء «خان مرجان» منذ عام 2004، وافتتح رسميا في السادس من الشهر الجاري، ويمتد سوق «خان مرجان» 50 ألف قدم مربعة على مدى طابقين تحت الأرض، ويضم بين زواياه المتعددة 150 متجراً، تم تصميمها وفق الهندسة المعمارية الإسلامية، وتحديداً الفنون المعمارية المصرية، والسورية، والتركية، والمغربية، التي تمثل أحياء الخان الأربعة.
وأوضح بدر «أحضرت الأحجار المنحوتة من مصر، والمنحوتات الخشبية من سورية، والموزاييك الملون من المغرب، والأرضيات الرخامية من تركيا»، لتتكون لدينا مجموعة من أروع التصاميم الهندسية من مختلف البلدان، قام بتنفيذها أمهر الحرفيين المبدعين، باستخدام أساليب ومواد تقليدية أصيلة، لتكون المحصلة اتقان العمل وجودة عالية، وهذا ما يظهر جلياً في السقف الزجاجي المعشّق، أحد أبرز معالم «الخان»، ويبلغ طوله 64 متراً، وعرضه اربعة أمتار، ويروي بما يحويه من أبيات شعرية، ورسومات استلهمت من الفنان العراقي يحيى بن محمد الوسطي، قصة حياة التجار لعرب القدامى أثناء نقلهم لبضائهم عبر الصحراء للتبادل التجاري مع غيرهم من التجار والمسافرين في المنطقة. ويذكر بدر ان «الرسم على الزجاج المعشق استغرق شهوراً، وقام بها 35 فناناً تشكيليا»، فضلاً عن السلالم المصنوعة من الرخام، والجدران المزينة بالموزاييك، والسقف المطلي باليد.
ساحة من المرمر
في قلب فناء السوق، تقع ساحة من المرمر صُممت على الطراز المعماري الأموي بأدق تفاصيله، فيها مطعم «خان مرجان» الذي يتوسط أحياء الخان الأربعة المصرية، والسورية، والتركية، والمغربية، مقدماً مأكولاته بطرق إعدادها التقليدية، إلى جانب تقديمه للمطبخين الخليجي، والإيراني، ويوفر المطعم لزوّاره فرصة الاستمتاع بالطرب العربي الأصيل، من خلال فرقة تتكون من ثلاثة عازفين يقومون بعزف الأغاني العربية الأصيلة، على العود والكمان والقانون وغيرها من آلات العزف. ومن مميزات مطعم «خان مرجان»، سقفه المفتوح إلى السماء في الأوقات المعتدلة، وعجلة المياه التقليدية، ويطل الجزء العلوي على حدائق الخان التي تشتمل على نوافير تقليدية، تحيطها المساحات الخضراء من كل جانب، وتفصل بينها ممرات مائية على أرضية رخامية مزيّنة بأروع الأشكال والتصاميم الهندسية الفريدة.
منتجات تقليدية
يستقطب السوق أمهر الحرفيين من مختلف أنحاء العالم العربي، الذين توارثوا الأعمال الحرفية التقليدية من أجدادهم وآبائهم، وجاءوا ليشاركوا زوار الخان خبراتهم ومهاراتهم الحرفية العالية، التي نمت وصقلت عبر الزمن، مقدمين باقة متنوعة من المنتجات التقليدية كالمجوهرات، والسجاد، والحقائب، والأقمشة الرجالية والنسائية، والعطور العربية، واللوحات الفنية، والاثاث المزيّن بالموزاييك والصدف.
ويذكر خالد مرعي من محل «خان صابون»، أن «عائلة حسون الطرابلسية من لبنان، ورثت صناعة الصابون أباً عن جد، منذ عام 1400، ووجدت لها طريقاً في الأسواق الأوروبية قبل العربية، وعملت على إدخال كل ما هو طبيعي في صناعتها، وفي مقدمها الزيوت الطبيعية كزيت الزيتون، والسمسم، والبلح، وجوز الهند، وتستخدم للأغراض الصحية والعلاجية كذلك، فضلاً عن تصنيعها للزيوت العلاجية، والزيوت العطرية الطبيعية التي لا يدخل في تكوينها أي مركبات كيماوية».
حلاقة تقليدية
بين زوايا «خان مرجان» شد أنظارنا أحد المحال الموجودة في الحي السوري، وهو محل حلاقة تقليدي في تصميمه وطريقته، ويعتمد في أساليب الحلاقة على الطرق التي كانت متبعه قديما، ويقول كمال عظم: «نعتمد في عملنا على طريقة الحلاقة التقليدية التي كان يعكف على استخدامها أجدادنا في الماضي القديم، مستخدمين بذلك أدواتها التقليدية من الموس والطاسة والبخاخ والمنفخة وغيرها»، ويضيف: «لكي يشعر الزبون بأنه قام برحلة حقيقية عبر الزمن أعددنا التصاميم لتتماشى مع ما كانت عليه محال الحلاقة القديمة، وذلك من خلال الكراسي المصنوعة من الخشب العجمي، وكراسي الانتظار وأدوات الضيافة المتمثلة في الدلة والفناجين النحاسية».
محمد ضرير، أطلق على محله اسم المسلسل السوري الشهير «باب الحارة»، ويقوم ببيع المنتجات النحاسية التقليدية المتمثلة في أدوات الضيافة المتنوعة، فضلاً عن بعض الأعمال الخشبية كصناديق الزهر، والمحارم الورقية، والطاولات المزيّنة بالموزاييك. ورغم عمر المكان القصير إلا إنه يشهد إقبالا كبيرا من المقيمين والسياح الذين يقصدونه استمتاعا بالاجواء التي يقدمها ولتميزه الفريد وإحيائه قيما وعادات تتلاشى في زخم التطور والحداثة.
إحياء «مرجان»
كان سوق «خان مرجان» التقليدي في بغداد، وجهة للتجار والمسافرين، ويعود بناؤه إلى القرن الـ.14 وذكر موقع «عراق الغد الإلكتروني» في 10 من مايو الجاري، عودة الحياة لسوق «خان مرجان» أحد أهم المعالم الإسلامية وسط بغداد، إذ يشهد مراحل الإعمار الأخيرة التي بدأت منذ أكثر من عام على نطاق واسع، حسب قول د. اعتماد القصيري، المتخصصة في العمارة الإسلامية في الهيئة العامة للآثار والتراث في وزارة السياحة والآثار.
ويعود تاريخ تشييد «خان مرجان» إلى سنة 760 للهجرة، بأمر الحاكم أمين الدين مرجان، ويقع «الخان» في شارع الرشيد، ويعد من أهم المباني الإسلامية التي ورثها البغداديون. ويذكر موقع صحيفة «الشرق الأوسط» الإلكتروني أن «خان مرجان» كان موقعاً تاريخياً مهماً يأتيه السياح من كل بقاع العالم، وكانت تقام فيه الأمسيات البغدادية الاصلية التي يغني فيها كبار مؤدي المقام العراقي.